الجمعة 15 جمادى الأولى 1444ﻫ 9-ديسمبر-2022م
ADVERTISEMENT

صناديق الريت من البداية إلى النهاية

عبدالله الربدي

الصناديق الاستثمارية العقارية المتداولة REIT؛ هي صناديق تقوم على قاعدة التوزيعات النقدية عبر الاستثمار في عقارات مدرة للدخل، تشكلت قوانينها وبدأت تنتشر من الستينيات في القرن الماضي في أمريكا، ثم انتشرت في أغلب دول العالم، ولقيت اهتماما كبيرا من المستثمرين؛ وذلك بسبب أنها تملك خصائص ممتازة؛ حيث إنها تملك أفضل ما في العقار وما في الأسهم، فهي تملك ميزة التملك العقاري والتمتع بالإيجارات والعوائد العقارية ذات الدخل الجيد والمستقر، ومن ناحية أخرى تملك واحدة من أفضل مميزات الأسهم؛ وهي سهولة البيع وسرعته، هذه المميزات جعلت الاستثمار في هذه الصناديق يحظى بشعبية وقبول عال لدى شرائح كثيرة من المستثمرين حول العالم، ومن المنطقي أن طبيعة هذه النوعية من الاستثمار تكون لمدة طويلة حتى يستفيد المستثمر من التوزيعات ولا تكون ذات اتجاه مضاربي أو لمدة قصيرة.

بدأت هيئة السوق المالية التفكير جديا في تقديم هذا المنتج إلى السوق من عام 2011، وعليه قامت بدراسة المنتج في عدة أسواق عالمية ومراجعة اللوائح والتنظيمات وأفضل الممارسات حتى وصلت إلى مرحلة الجاهزية عام 2016، وعليه تم إطلاق أول صندوق في السنة نفسها، ومن بعدها توالت الصناديق وأخذت زخما كبيرا عام 2017، لكن جزءا كبيرا من هذا الزخم كان بسبب ما حدث مع أول صندوق، حيث – كالعادة مع أي منتج جديد – لا بد أن توجد ثغرات لم تكن في الحسبان، فلقد كان حجم الصندوق صغيرا جدا “لم يتجاوز 118 مليون ريال” لدرجة أن استغله المضاربون في التحكم فيه ورفعه إلى أكثر من 200 في المائة خلال أقل من شهر ونصف في حادثة هزت أوساط المتعاملين، ووجهت الأنظار نحو هذا القطاع الذي لم يحظ بهذا الاهتمام قبل ذلك، وكما هو متوقع تنبهت الهيئة إلى هذه الثغرة، وبالتالي اشترطت على جميع الصناديق اللاحقة ألا يقل حجم الصندوق عن نصف مليار ريال في محاولة لإقفال الباب على المضاربين، وبالفعل تم تطبيقها وساعدت على تحجيم اللعب والمضاربة فيها، لكن وفي الوقت نفسه، أصبح هناك إقبال كبير من قبل المتداولين، الذين لا يملكون الخبرة ولا القدرة على فهم هذا المنتج في الاكتتاب على أي إصدار جديد منها؛ أملا فقط في تحقيق ربح سريع من أول أيام التداول كما حدث مع “الأول”، وفعلا حقق الإصدار الذي يليه ارتفاعات، لكن أقل بكثير من “الصندوق الأول”، ومن ثم الذي بعده حقق أقل من الذي قبله، حتى وصلنا إلى صناديق لم تستطع المحافظة على سعر الاكتتاب، وبدأت تهبط بشكل تدريجي، ومن ثم أصبح نزول الصناديق تحت سعر العشرة ريالات هو الأغلب، وكأن السوق أصبحت تطلب عائدا على هذه الصناديق أعلى من العائد الموزع على أساس سعر عشرة ريالات، ومرة أخرى بدأنا نشاهد ثغرة أخرى أخطر وأقوى من الأولى، وهي تضخيم أصول عقارية وإدخالها بقيمة مضخمة على الصندوق عن طريق ثغرة في التقييم، وهي التقييم بطريقة الدخل المتوقع، هذه الطريقة رغم أنها هي المعتمدة كطريقة في تقييم العقارات المدرة للدخل ومطبقة بنجاح حول العالم، إلا أن بعض الملاك استغل ثغرة في هذه الطريقة وبطريقة قانونية تماما، حيث اتفق مع مدير الصندوق على أن يقوم هو باستئجار العقار ورفع قيمة الإيجار بشكل كبير “رغم عدم تحمل النشاط الرئيس لهذه القيمة من الإيجار، بل بعضهم يحقق خسائر”، ومن ثم التوقيع على عقد إيجاري لمدة 15 سنة، قد يقول البعض: ما المستغرب إذا رفعت قيمة العقار إذا كان سيبرر برفع الإيجار لمدة 15 سنة؟ طبعا المعلومة التي تفرق هنا أن العقد ملزم فقط لمدة خمس سنوات وما بعد ذلك غير ملزم! بمعنى آخر أن المستأجر “الذي هو المالك الأصلي” يستطيع فك العقد بكل سهولة والتخلي عن الإيجار وعن المبنى كله، ولا يستطيع لا مدير الصندوق ولا أي شخص أن يمنعه! وهذه ثغرة خطيرة، أن يقوم طرف برفع قيمة أصل بشكل مصطنع لأجل التزام لمدة خمس سنوات، “وهي تعتبر قصيرة في عرف الإيجارات عالميا”، وغير هذا كله لا توجد ضمانات واضحة أو ملموسة لمدى جدية والتزام المستأجر، طبعا هذا إذا آمنا وقبلنا بمبدأ رفع الإيجار بشكل خارج الإيجارات المتوقعة من هذا الأصل نفسه وحسب إيجارات السوق، حيث إن أي ممارسة من هذا النوع يجب أن تخضع إلى مزيد من التحقيق والمراجعة والتأكد، وهذا لم يحصل مع الأسف.

إذن؛ ما الصورتان العامة والحالية لبعض الصناديق؟ هي كالآتي؛ مالك عقار يقوم بتضخيم أصوله مقابل التزام بإيجار مرتفع لمدة خمس سنوات، وفي المقابل سيقبض عن طريق متحصلات الاكتتاب من الأفراد ما يعادل 30 في المائة من هذه الأصول المضخمة فورا “لو فرضنا أن العقارات ضخمت 100 في المائة فسيحصل من الاكتتاب على 60 في المائة من القيمة الحقيقية للعقارات”، ويبدأ بدفع أقساط إيجارية لهم كل سنة أو نصف سنة، وزيادة على ذلك سيظل يملك 70 في المائة من الصندوق، وأزيدك – أخي الكريم – من الشعر بيتا، يستطيع المالك أن يبيع جميع ما يملكه في الصندوق في أول يوم تداول! نعم لا يوجد شرط يحد من البيع “بعض الصناديق – وكإجراء ذاتي يشكرون عليه – وضع فترة حظر على الملاك لمدة ثلاث سنوات”، إذن المحصلة لدينا اليوم وجود ثغرتين في الصناديق؛ وهي رفع التقييمات، وعدم وجود حظر على الملاك.

التوصيات المقدمة إلى هيئة السوق المالية وكما عالجت وبسرعة الثغرة الأولى، أرجو أن تعالج وبسرعة الثغرة الحالية، وذلك عن طريق إخضاع أي إصدار جديد لتقييم السوق له، وذلك بطريقة بناء الأوامر من قبل الأشخاص المؤهلين كما يحدث مع الأسهم؛ وذلك بسبب ضعف المقيمين العقاريين، ووضوح الثغرة في التقييم، أعلم أن البعض يعترض على ذلك بحجة عدم تطبيقها في أي سوق، لكن هذا لا يمنع، فهي في النهاية منتج استثماري له دخل، وهم في النهاية جزء من الطلب والتسعير، ولو لم يكن هنالك خطأ في التسعير لما وجدنا نزول أغلب الصناديق تحت عشرة ريالات واستمرارها في النزول رغم تحسن المزاج العام في سوق الأسهم، المقترح الثاني هو اشتراط وجود فترة حظر مناسبة على الملاك، وأنا متأكد من أن هذه الخطوة ستعمل كتقنية لمن لديه نية البيع والتخارج السريع مقابل من هو ملتزم للصندوق.

ختاما؛ أنا متأكد من أن الهيئة تراقب وتعي حجم الانحراف في “بعض” الإصدارات الحالية، وأنا متأكد كذلك من أنها ستعالج الوضع وكالعادة بسرعة لحماية المستثمرين، في نهاية الأمر توجد لدينا منتجات رائعة بكل المقاييس من الصناديق العقارية المتداولة “الريت”، لكن يكفي إصدار واحد ليقوم بتشويه كامل المنظومة والنظرة العامة لهذا القطاع.

نقلا عن الاقتصادية

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.