الأحد 18 ربيع الثاني 1441ﻫ 15-ديسمبر-2019م

المشاريع الناشئة في مرمي الصناديق السيادية الخليجية

صناديق - خاص

توجهت الصناديق السيادية الخليجية للاستثمار وبقوة في الشركات والمشاريع التكنولوجية والناشئة، وذلك لتوافر فرص مغرية بتلك القطاعات في ظل ارتفاع عوائدها على المدي الطويل رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بها.

ويعد صندوق الاستثمارات العامة، أكبر صندوق للثروة السيادية في السعودية، الأنشط بين صناديق الخليج في الاستثمار في قطاعات المشاريع الناشئة والتكنولوجيا بعد أن نفذ صفقات تاريخية مثلت خطوات عير مسبوقة في تاريخ الصناديق السيادية حول العالم، حيث استثمر في شركة أوبر الأمريكية للنقل التشاركي بقيمة 3.5 مليار دولار وهي أضخم شركة ناشئة غير مدرجة بالبورصة وقيمتها 62.5 مليار دولار، وتلك الصفقة أحدثت نقلة نوعية بقطاع النقل التشاركي الخاص وذلك في سنوات قليلة.

وجاء الاستثمار في أوبر في إطار تحول في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة صوب استثمارات تستهدف تعزيز عائداته، مع ضمان الحصول على التكنولوجيا وحصة سوقية في صناعات استراتيجية للمساعدة في تطوير الاقتصاد السعودي.

ويعتبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي أكبر مستثمر في الشركة اليابانية المتخصصة في الاستثمار بقطاع التكنولوجيا “رؤية سوفت بنك” وهو أكبر صندوق للاستثمار المباشر في العالم، بعد تعهده استثمار 45 مليار دولار فيه خلال خمس سنوات. ويستثمر الصندوق الياباني في قطاعات للتكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

وفي عام 2016 قام رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار بالتعاون مع مستثمرين آخرين لإطلاق منصة للتجارة الإلكترونية باستثمارات مليار دولار تحت اسم “نون”، وتبلغ حصة صندوق الاستثمارات العامة السعودي 50%، كما قام تأسيس صندوق استثماري جديد بالشراكة مع مجموعة “سوفت” اليابانية بقيمة 100 مليار دولار للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة.

وعلى ذات الخطى فقد سعت شركة “مبادلة للاستثمار” المملوكة لحكومة أبوظبي في نهاية العام الماضي استثمار في انشاء صندوق بقيمة 400 مليون دولار للاستثمار بشركات تكنولوجيا أوروبية كبرى.

وبالنظر الى استثمارات الصندوق السيادي الكويتي فى عام 2018 نرى أنها تتوزع على الأسهم بنسبة 45%، والسندات 20%، والعقار 10%، واستثمارات بديلة 15%، واستثمارات في شركات تكنولوجية 10%.

وقال خبراء ومتخصصون استطلعت «صناديق» آراءهم، إن من الصعب إغفال الدور الكبير الذي تقوم به الصناديق السيادية الخليجية والدور المحوري الذي تحدثه بالاقتصاد العالمي مع إدراتها من مؤسسات دولية كبرى مثل مورغان ستانلي وميريل لينش وكريدي سويس.

ولفت هؤلاء إلى أن هناك تغير في استراتيجيات الاستثمار لدي العديد من هذه الصناديق، ومن أبرزها استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة السعودي في نقل التقنية والتكنولوجيا عبر استثماراته الضخمة في هذه القطاعات.

وبحسب أحدث بيانات نشرتها مؤسسة صندوق الثروة السيادي العالمية (إس دبليو إف آي) والذي تتابع نحو 79 صندوقاً سيادياً حول العالم، فإن استثمارات صناديق الثروة السيادية بالخليج البالغة 3013 مليار دولار تمثل نسبة 34% ومن إجمالي الصناديق السيادية حول العالم والتي بلغت 8.14 تريليون دولار.

واستحوذت السعودية على 10.8% من إجمالي الثروات السيادية في العالم وهو ما يعادل 875.6 مليار دولار، فيما استحوذت الإمارات على 14.6% من الثروات السيادية في العالم وبما يعادل 1190.8 مليار دولار.

وحافظ جهاز أبوظبي للاستثمار على ترتيبه الثالث عالمياً، بقائمة الصناديق السيادية، والأول عربياً، بعد أن وصل إجمالي أصوله إلى 697 مليار دولار

وجاء صندوق هيئة الاستثمار الكويتية في المركز الرابع عالمياً والثاني عربياً، بأصول بلغت قيمتها 592 مليار دولار.

أهمية متزايدة

وتكتسب صناديق الثروة السيادية أهمية متزايدة في النظام النقدي والمالي الدولي، ما حدا بحكومات الكثير من الدول إلى إنشاء هذه الصناديق، ويرجع تاريخ الصناديق السيادية إلى دولة الكويت التي قامت بإنشائه في عام 1953 تحت اسم الهيئة العامة للاستثمار، والذي وصل حجم أصوله اليوم إلى نحو 524 مليار دولار، وذلك في ظل توجه الدولة للاستثمار في عوائد البترول الفائضة لتأمين بديل للنفط.

وجاءت مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، في المركز 13 عالمياً، بأصول بلغت قيمتها 233.8 مليار دولار، وجاء صندوق مبادلة للاستثمار التابع لحكومة أبوظبي في المركز 14 عالمياً، بأصول بلغت قيمتها 226 مليار دولار.

وحل صندوق الثروة السيادي الاتحادي «جهاز الإمارات للاستثمار»، في المركز 27، بإجمالي أصول بلغت قيمتها 34 مليار دولار.

وكان أكبر هو صندوق التقاعد الحكومي النرويجي الذي بلغت قيمة أصوله نحو 1.0746 تريليون دولار، يليه صندوق مؤسسة الصين للاستثمار بأصول بلغت 941.4 مليار دولار.

وفى نظرة أكثر توضيحاً أشارت مؤسسة «ستاندرد تشارترد» البريطانية أن حجم أموال تلك الصناديق الخليجية والعالمية يعادل 42% من إجمالي القيم المتداولة في بورصة طوكيو، و12% من إجمالي القيم المتداولة ببورصة نيويورك.

وتمكنت الاستثمارات فى هذه الصناديق من امتلاك حصص ملكية في كبرى الشركات العالمية، وأبرزها «آبل» و«نستله» و«أمازون» و«فيسبوك».

توجه عالمي

طارق قاقيش

قال طارق قاقيش مدير إدارة الأصول في “مينا كورب” للخدمات المالية بدبي، إن الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا ليس فقط توجه للصناديق السيادية الخليجية ولكنه بات توجه عالمي في محاولة البحث عن شركات يمكنها تكرار نماذج “فيسبوك” و”أماوزن” و”أوبر” وغيرها من الشركات التى غيرت بشكل جذري آليات الاستثمار بنموها السريع.

 

وأضاف إن ما لا يستثمر في قطاعات التكنولوجيا والمجلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتقنية “بلوك تشين” التى تلقي اهتماماً كبيراً باعتبارها سوق واعدة توظف التكنولوجيا لزيادة كفاءة الأعمال وخفض التكلفة على المستثمر والعميل معًا، سيكون من الخاسرين لنظراً لأهمية هذا القطاعات في تغيير مسار ومستقبل العالم.

وأوضح أن الصناديق الخليجية التزمت لعقود طويلة بخطط الاستثمار في الملاذات الآمنة التقليدية مثل السندات الحكومية أو الاستثمار في البنية التحتية وفي العقارات أو الاستثمارات البديلة، غير أنها بدأت في التحول وتحمل بعض المخاطر عبر مسارات استثمارية جديدة لتواكب التغيرات التكنولوجية السريعة والدخول في المشاريع الناشئة في مقابل توقعات بتحقيق عوائد ضخمة منها في حال نجاحها عالمياً.

ولفت إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، يعتبر أكثر الصناديق الخليجية استثماراً في قطاعات المشاريع الناشئة والتكنولوجيا بعد أن نفذ صفقات غير مسبوقة، حيث استثمر في شركة أوبر الأمريكية 3.5 مليار دولار، كما يعتبر أكبر مستثمر في  صندوق “رؤية سوفت بنك” الياباني وهو أكبر صندوق للاستثمار المباشر بالعالم>

وأضاف إن دخول صندوق الاستثمارات العامة السعودي في قطاعات التكنولوجيا جاء بهدف تعزيز عائداته، مع ضمان الحصول على التكنولوجيا وحصة سوقية في صناعات استراتيجية للمساعدة في تطوير الاقتصاد السعودي ضمن أهداف مرسومة في رؤية المملكة 2030.

وتوقع مدير إدارة الأصول في “مينا كورب”، إن استراتيجية صندوق الاستثمارات السعودي لا تزال هي الأمثل في الوقت الحالي متوقعاً أن يكون للقطاعات التكنولوجية جزءاً لا يتجزأ من مستقبل استثمارات الصناديق السيادية – بشكل عام – في منطقة الخليج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هدف رئيس

حسام الغايش

 

وقال حسام الغايش مدير ادارة الاستشارات المالية بشركة “أوراق للاستشارات الاقتصادية”، إن الهدف الرئيس من إنشاء الصناديق السيادية يكمن في توفير مدخرات للأجيال المقبلة وتنميتها، والتقليل من آثار الأزمات الاقتصادية على الاقتصادات المحلية، ومعالجة العجز في الموازنة العامة، ومن أجل الوصول إلى هذه الغايات باشر القائمون على هذه الصناديق بدراسة أفضل السبل لذلك، وبدأت عمليات البحث عن استثمارات في الداخل والخارج.

وأوضح أن هناك نوعان لصناديق الثروة السيادية، وهي الصناديق القائمة على السلع الأساسية والتي يتم تمويلها عن طريق فائض عوائد صادرات الموارد الطبيعية، مثل البترول والغاز الطبيعي، كما هو الحال في دول الخليج.

وبين أن النوع الآخر من الصناديق السيادية قائم على موارد أخرى غير السلع الأساسية، أي الصناديق غير السلعية، ويتم تمويلها عن طريق فائض الدخل من فائض الاحتياطيات النقدية. كلا النوعين من صناديق الثروة السيادية يخدم أغراض مالية ونقدية، مثل: الاستقرار المالي، التوفير للأجيال القادمة، تعقيم ميزان المدفوعات للحفاظ على العرض النقدي أو الكتلة النقدية الناتج عن فائض أو عجز في ميزان المدفوعات.

وقال إن استقرار صناديق الثروة السيادية مشابه جدًا لاستقرار احتياطي النقد الأجنبي التقليدي، وذلك من ناحية الالتزامات المالية، وبالتالي فإنه ليس من الصدفة أنها غالبًا ما تدار من قبل البنوك المركزية، كما هو الحال في صناديق الثروة السيادية السلعية التي يتم إدارتها من قبل مؤسسة النقد السعودي “ساما”، مؤكداً أنه وبغض النظر عن مصادر تمويل صناديق الثروة السيادية، فإن معظم أصول محافظها الاستثمارية طويلة الأجل، متنوعة على المستوى العالمي وذات مخاطر عالية مقابل ارتفاع في العائدات المتوقعة.

تنوع وتخصيص

أحمد الامام

 

وقال أحمد الأمام مدير شريك للأوراق للدراسات والاستشارات الاقتصادية، إن الصناديق السيادية الخليجية تتجه من خلال استثماراتها الى التنوع والتخصيص وجزء من تلك الاستثمارات بقطاعات الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة، مبيناً أن تلك الصناديق تتجه نحو أسواق المشاريع التكنولوجية والتجارة الإلكترونية، وهو تحول في استراتيجيات الاستثمار التي ارتكزت لعقود طويلة على الاستثمارات التقليدية المحافظة.

وأرجع السبب الرئيسي وراء هذا الاتجاه في توافر فرص استثمارية بتلك القطاعات الناشئة وارتفاع عوائدها رغم المخاطر الكبيرة، بعد هبوط أسعار النفط الخام مدللاً بذلك على دخول صندوق الاستثمارات العامة السعودي في القطاعات الناشئة التي ستساهم في رسم مستقبل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

وأكد أن تلك الصناديق الخليجية من المتوقع أن تمضي قدماً في زيادة تلك الاستثمارات غير التقليدية في الفترة القادمة، لافتاً إلى أنه من حيث التوزيع الجغرافي فهي متوطنة في الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى ثم تليها المملكة المتحدة،

وأوضح أن أمريكا شكلت الوجهة المفضلة لاستثمارات الصناديق السيادية الخليجية، حيث شكلت ما نسبته 32%-42 % من إجمالي استثماراتهم، تليها القارة الأوربية بنسب تراوحت ما بين 20 %-35%، ثم القارة الآسيوية بنسب تراوحت ما بين 10%-20%، لافتاً إلى أن تلك الصناديق مهمته بمختلف القطاعات الاقتصادية وعلى وجه الخصوص الصناعة التحويلية والخدمات، وبهذا تقف الصناديق السيادية الخليجية في مقدمة المؤسسات التي يُعول عليها لتزويد الأسواق العالمية بجزء من السيولة المالية.

وبين أن تلك الصناديق تقف بدور اللاعب الأساسي في الأسواق المالية، ودورها المتصاعد في نمط التدفقات الرأسمالية العالمية وأسعار الأصول والاستقرار المالي بصفة عامة.

قدرة وتأثير

د.شيماء أحمد

 

 قالت الدكتورة شيماء أحمد، الباحثة الاقتصادية لدى أكاديمية السادات للعلوم والأعمال الإدارية، إن دول الخليج تمتلك أكبر الصناديق السيادية على مستوى العالم، فهي قادرة على تحريك سعر الدولار عالميًا ومؤثرة كذلك أسواق النفط والذهب.

وأوضحت أن ذلك يأتي من خبرة المؤسسات الدولية التي تديرها، وهذا ما يجعل تلك الصناديق الخليجية تقع تحت رقابة مؤسسات متخصصة في الولايات المتحدة، لرصد أداءها الاستثماري ومراقبة أي تأثيرات سياسية لتلك الاستثمارات تجعل منها عوامل ضغط سياسي على الدول التي تقوم فيها الصناديق السيادية الخليجية بالاستثمار.

وأكدت أن نقطة التحول في دور تلك الصناديق بدأ في أعقاب الأزمة المالية العالمية 2008 حيث تكبدت دول الخليج خسائر كبيرة في صناديقها، وبمرور الوقت تعافت بعد أن أخذت على عاتقها تطوير أسلوب الإدارة والمخاطر لتلك الكيانات الضخمة والمقدرة بتريليونات الدولارات وتنوع أصولها وتدفقات أموالها الغير معتمدة كليًا على النفط.

وأكدت بذلك أنها لاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي وهو ما يزيد من ثقة الدول والشركات في تلك الصناديق، كما حققت الدول الخليجية مؤخراً مراكز متقدمة في مستوى الشفافية لصناديقها السيادية. أيضًا احتلت الصناديق السيادية المملوكة لدول الإمارات وقطر والكويت والسعودية مراكز متقدمة ضمن أكبر 20 صندوق للثروات السيادية.

وللصناديق السيادية الخليجية دور كبير في النظام المالي العالمي خاصةً مع ما يمثله الحجم الكبير لأصولها، فهي قادرة على حل مشاكل السيولة التي تعاني منها الأسواق المالية الدولية وذلك بتوفير رؤوس الأموال الضخمة في صورة استثمارات وتمويلات طويلة الأجل للمؤسسات والهيئات التي تحتاج ذلك، وبذلك تساهم في تحقيق استقرار النظام المالي العالمي.

وترى أنه من المحتمل مستقبلا وبشكل كبير أن تلعب الصناديق السيادية الخليجية دورًا متزايدًا في الاقتصاد العالمي لما لديها من ثقل متميز يجعلها تتصدر الصناديق العالمية لتجاوزها 40% من حجم الصناديق الدولية علاوة على سعيها لانتهاج مسارين اقتصاديين متوازيين داخليًا وخارجيًا قائمين على التنويع، وتستمد تلك الصناديق مكانتها مستقبلا من خلال ما أثبتته من نجاح يتجاوز حدودها الخليجية محققة رقمًا لا يستهان به في الاقتصاد العالمي.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *