الجمعة 15 جمادى الأولى 1444ﻫ 9-ديسمبر-2022م
ADVERTISEMENT

صناديق الذهب.. الرابح الأكبر من «كورونا»

د. خالد رمضان عبد اللطيف

رغم ما تشهده غالبية الأسواق من خسائر عنيفة وتخارج بمليارات الدولارات من المستثمرين جراء المخاوف المتعلقة بانتشار فيروس كورونا، إلا أن صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب لا تهدأ في مواصلة مكاسبها، مستفيدة من توجه المستثمرين إلى أسواق الأصول والملاذات الآمنة، ويعد التقرير الأخير لمجلس الذهب العالمي، أحدث المؤشرات على انتعاش تلك الصناديق التي أضافت نحو 298 طناً متمتعة بنمو يقدر بـ 23 مليار دولار، من صافي الأصول، مسجلة بذلك أعلى قيمها الربعية من حيث قيمة الممتلكات بالدولار، وأكبر إضافة لأطنان الذهب منذ 2016.

تعد صناديق الذهب بمثابة نقلة نوعية في الاستثمار بهذا المعدن الأصفر، فهي وسيلة استثمار شائعة للمعدن النفيس في الأسواق الغربية، ولا يحتاج المستثمرون إلى شراء المعدن فعليا لأن مصدري وثائق الصناديق يحتفظون بكميات موازية من الذهب في خزائنهم، ولعل السؤال المنطقي هنا، لماذا تواصل صناديق الذهب الانتعاش وسط بيئة غير مشجعة، في ظل توجه المستثمرين بشكل عام للاحتفاظ بالكاش النقدي، من أجل كبح خسائرهم في أصول أخرى داخل محافظهم الاستثمارية، وانتظاراً لما ستسفر عنه فاجعة كورونا التي أدخلت الاقتصاد العالمي عموماً في حالة من الغيبوبة، وعندما يستيقظ المارد من غيبوبته، فسنستطيع حينها حصر الخسائر. بدقة.

بداية، فإن صناديق الذهب كغيرها من الصناديق الاستثمارية والسيادية أطلقت داخل الأسواق لتعزيز فرص الاستثمار في المعدن الأصفر، ولابد أن ندرك أن انتعاش نمو التدفقات لصناديق الذهب يأتي ضمن إطار عام للمعدن النفيس حيث تستكمل تلك الصناديق عامها الخامس على التوالي من ارتفاع زخم التدفقات، كما تتسق مع تداول أسعار المعدن الأصفر قرب أعلى مستوياته في سبع سنوات، والذي أغلقت عقوده الآجلة أمس الأربعاء تسليم شهر يونيو عند مستوى 1684.30 دولار للأوقية، فيما يجري تداول سعره الفوري عند 1649.89 دولار للأوقية، أي أنها فوق مستوى 1600 دولارا للأوقية وهو سعر فني ومعنوي مهم للمتداولين في الذهب.

وقد حافظت عائدات الاستثمار في الذهب على وتيرتها المرتفعة ومستواها القوي مقارنة بالمجالات الاستثمارية الأخرى، كالأسهم والسندات الحكومية والودائع المصرفية وغيرها من المنتجات المالية، إذ تستفيد صناديق الذهب من عدة عوامل مواتية، أبرزها ارتفاع سعر المعدن المعدود كملاذ آمن في أوقات الضبابية الاقتصادية وعدم اليقين في الأسواق، بسبب تفشي الفيروس المميت الذي يهدد بإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي ويعزز التذبذب في حركة تداول صناديق الأسهم والسندات بفعل تقلبات معنويات المستثمرين، بالإضافة إلى تلقى الذهب الدعم الكامل من كبريات البنوك المركزية حول العالم من وجهين: الأول خفض معدلات الفائدة وخاصة من الاحتياطي الفيدرالي “البنك المركزي الأمريكي”، لكنه أي الفيدرالي لم يكن منفرداً في هذا الإجراءات، حيث كان هناك تنسيقاً مع البنوك المركزية في منطقة اليورو واليابان وكندا وسويسرا وإنجلترا، والتي من المرجح أن تظل منخفضة لبعض الوقت، حيث يقلل خفض أسعار الفائدة تكلفة الفرصة البديلة لحائزي الذهب الذي لا يدر عائدا، ويؤثر سلبا على الدولار الأمريكي.

وتعتبر تكلفة الفرصة البديلة العامل الأكثر أهمية في دفع أسعار الذهب للصعود خلال عام 2019، فقد ساهم مزيجاً من خفض معدلات الفائدة والزيادة السريعة للسندات سالبة العائد في خفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، كما أن معدلات الفائدة الآخذة في الهبوط مع العوائد السالبة تسببت في جعل السندات الحكومية أقل جاذبية وزادت من احتمالية ارتفاع معدل التضخم وانخفاض قيمة العملات في المستقبل، وكل هذه التطورات المتلاحقة ستدعم الطلب الاستثماري على الذهب في المستقبل القريب.

أما الوجه الثاني من الدعم الذي تتلقاه صناديق الذهب من البنوك المركزية حول العالم، فيتمثل في قفزة مشتريات البنوك من المعدن الأصفر لإضافته إلى احتياطي الذهب الاستراتيجي، وفي حال تراجعت شهية البنوك المركزية لشراء المعدن، فقد يتوقف تحليق الذهب إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 1800 دولار للأوقية بنهاية العام الجاري.

لكن الأمور ليست وردية كما يبدو للبعض، إذ ضمن الرياح المعاكسة، تفاجئ المراقبون نهاية مارس الماضي بإعلان البنك المركزي الروسي بوقف شراء الذهب بداية من شهر أبريل الحالي، دون توضيح أي أسباب للقرار، وهذا في حد ذاته يعد قراراً مؤثراً على حركة التداولات والحيازات الكبرى، بالنظر إلى أنه على مدى الخمس سنوات الماضية، كانت موسكو أكبر مشتر للذهب عالمياً بقيمة 40 مليار دولار، وربما يكون السبب أن لدى روسيا بالفعل احتياطيات كبيرة من المعدن النفيس، ومن المحتمل أنها لا تحتاج حالياً للمزيد، بالإضافة إلى ذلك، ربما يقود التجار الروس موجة بيعيه للذهب مع اقتراب أسعاره من أعلى مستوى في سبع سنوات، خاصة بعدما أصبح الذهب استثمارًا شائعًا للغاية خلال الأسابيع الأخيرة، وسط ذعر غير مسبوق من جانب المستثمرين بفعل تفشي فيروس كورونا.

يفضل المستثمرين الذين يتطلعون للاحتفاظ بالمعدن الأصفر صناديق الذهب المتداولة في البورصة، بدلا من الملكية المادية المباشرة كوسيلة للتعامل مع المعدن النفيس، لأن السيولة المرتفعة وانخفاض التكاليف النسبية لمثل هذه الصناديق يجعلانها مثالية لشركات إدارة الأموال التي تتطلع إلى تقليل المخاطر في محافظها، حيث توفر صناديق الذهب المتداولة في البورصة للمستثمرين الأمان بعيدا عن المخاوف بشأن الإدارة أو إنتاج المناجم، التي تأتي من الاستثمار في الأسهم وباعتبار أن الذهب ملاذ طبيعي في أوقات الضبابية.

وتتميز منتجات الذهب التي يتم تداولها في البورصة بخصائص عديدة تجذب المستثمرين، إذ يغلب على تلك المنتجات أن تكون مدعومة بسبائك من المعادن الثمينة الموجودة فعليا، ويكون لدى الصناديق القدرة على تسليم تلك السبائك حين الطلب، ومع تصاعد تفشي فيروس كورونا، يتوقع أن يواصل المستثمرون حول العالم التخلي عن الأصول عالية المخاطر والتوجه نحو الملاذات الآمنة، ومنها الذهب كأحد الخيارات الأفضل في العالم للتحوط من المخاطر والحفاظ على قيمة ثرواتهم، وبالتالي فإنه من المرجح أن يواصل مديري صناديق المؤشرات رفع حيازتهم من الذهب خلال الفترة المقبلة، وسيدعم الطلب على الذهب خلال الفترة المقبلة معدلات الفائدة المنخفضة للغاية على سندات الخزانة الأمريكية، مما يحسن من تكلفة حيازة الذهب كبديل استثماري عن السندات.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.