الجمعة 2 ذو الحجة 1443ﻫ 1-يوليو-2022م
ADVERTISEMENT

صناديق التحوط .. ولعبة الاستثمار في الأزمات

د. خالد رمضان عبد اللطيف

ربما يكون ضمن مؤشرات الخلل في الاقتصاد العالمي الآن هو أن مديري صناديق التحوط لا زالوا يجنون مليارات الدولارات الغير متوقعة، فقد ربحت جراء الانهيارات والأزمات منذ بداية العام الجاري 57.2 في المائة، وتبدو المفاجأة للبعض أن هذه المكاسب المفاجئة تأتي متزامنة مع رياح معاكسة للاقتصاد العالمي بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، وهي التي اظطرت العالم أجمع إلى إغلاق المدن والمصانع وعرقل التجارة الدولية وأخرج قطاعات اقتصادية مهمة كالطيران والسياحة خارج الخدمة مؤقتاً، وعلى هذا، فإن السؤال المنطقي هنا هو: لماذا بقي هؤلاء المغامرون يغردون خارج السرب محققين مكاسب مهولة بينما يخسر العالم أحباؤه وأمواله في آن واحد؟.

لا شك أن الإجابة المنطقية، هي أن هؤلاء المغامرين نجحوا في الاستثمار في الأزمة التي خلفت حالة من الذعر في الأسواق العالمية، وربما يؤدي عدم اليقين الاقتصادي إلى أن تستعيد صناديق التحوط شعبيتها المفقودة، والتي اكتسبتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ولعل شركة “Ruffer Investment”مثالاً واضحاً على كيفية الاستثمار في الأزمة الراهنة، إذ أن تلك الشركة التي يملكها الملياردير جوناثان روفر، حققت 2.6 مليار دولار (2.4 مليار جنيه إسترليني) خلال انهيار سوق الأسهم العالمية الناجم عن الجائحة، بعد سلسلة من الرهانات على تقلبات السوق، وكذلك فعل صندوق التحوط الأمريكي الذي حقق عوائد قياسية بنسبة أربعة آلاف و144 في المائة من مراهنات على انهيار سوق الأسهم في العام حتى نهاية مارس، ونفس الشئ صندوق “Universa Investments” ومقره ميامي والذي سجل عائدا بنسبة ثلاثة آلاف و612 في المائة في شهر مارس وحده.

لكن هذا لا يعني أن كافة صناديق التحوط التي تطارد الأزمات تربح في الوقت الراهن، إذ أن غالبيتها يعانون خسائر كبيرة، والأدهى من ذلك أن بعض الصناديق التي استفادات من الرهانات على خيارات الأسهم والسلع وغيرهما، ستغادر السوق مرغمة مثل صندوق “تيل بروتكت” الذي تكبد خسائر فادحة على مدى خمس سنوات، إلا أنه بمجرد أن بدأ في جني مكاسب في 2020 جراء المراهنة في أزمة كورونا، قرر المستثمرون سحب أموالهم، وبالتالي سيصبح الصندوق ذكرى من الماضي.

في المجمل، تمتع كبار الصناديق بعائدات ضخمة للغاية في مارس الماضي، مستفيدين من “فلسفة الاستثمار في الأزمات”، ولم لا وهو يعاينون أزمة خانقة تمثل فرصة مواتية لجني المكاسب المحتملة، وهي أزمة ليست ككل الأزمات، وربما تشبه تلك التي حدثت خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وهي التي اصطلح على تسميتها بفترة الكساد العظيم ، ولا شك أن هؤلاء المغامرين يدركون أن ما يحدث الآن ليس شبيهاً بما حصل من أزمات اقتصادية كارثية مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 ، ذلك أن الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي العالمي لهذا العام سيشبه ما حدث في 1930، حيث كانت تلك فترة عصيبة اختفت فيها بلدان ومؤسسات، واغتنمت شخصيات مثل أدولف هتلر الفرصة للسيطرة على ألمانيا، ومن ثم التوجه لاحقاً لغزو العالم.

لكي ندرك أهمية الظرف الوقتي لتحقيق تلك المكاسب، لابد أن نعود بالذاكرة إلى عام 2019؛ وفيه كان عدد صناديق التحوّط التي أقفلت أبوابها أعلى صوتاً من تلك التي أبصرت النور، فقد كان مردوده ضعيفاً في المجمل على المستثمرين الدوليين، مما اضطر 400 صندوق تحوّط للخروج من السوق في العام الماضي، مقارنة مع 98 صندوقاً أغلقت في عام 2018 بأكمله، و49 صندوقاً في عام 2017.

لإعادة تموضعهم في حلبة المنافسة، يعمد مديرو صناديق التحوّط إلى تغيير استراتيجياتهم المالية عن طريق عرض وظائف مغرية جداً على الاختصاصيين في هندسة النماذج المالية الرياضية، ولإقناعهم بالعمل لديهم بدلاً من المصارف الكبرى تعمل صناديق التحوّط الكبرى على عرض دخل سنوي ممتاز، على هؤلاء الاختصاصيين، يتراوح بين 200 ألف ومليوني دولار.

ربما تكون الإشكالية الكبرى لبعض صناديق التحوّط هي العجز عن استقطاب المزيد من الاستثمارات، في حين يشهد قسماً منها حركات تمرّد واسعة النطاق في صفوف المستثمرين الذين سارعوا إلى الهروب منها نحو مجالات استثمارية أخرى، أما تلك التي حققت عائدات ضخمة في الفترة التي تلت الأزمة المالية في عام 2008؛ فقد جنت مردوداً هزيلاً في عام 2019 لم يتجاوز 2.54 في المائة، وبالتالي سيكون استعادة ثقة المستثمرين واجتذاب مغامرون جدد الرهان المرهق القادم لصناديق التحوط.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.