الخميس 5 ربيع الأول 1442ﻫ 22-أكتوبر-2020م

هل يكمن الشيطان حقًا في التفاصيل؟ .. عن الديون والسيولة وأشياء أخرى في صناديق الريت

صناديق - الرياض

“هل تعرف فلان؟ نعم أعرفه.. هل عاشرته؟ لا.. إذن أنت لا تعرفه”.. العبارة السابقة هي مثل شعبي دارج يتداوله الناس بصيغ مختلفة في دولنا العربية، والغاية منه هو حثّ الناس على عدم الاكتفاء بما توحي به المظاهر أثناء تقييم الرجال، والتعمق أكثر من ذلك في شخوصهم من خلال الاحتكاك المباشر والمستمر بهم من أجل التعرف على حقيقة معادنهم.

هذا المثل ربما لا يوجد من هم أحوج إليه من المستثمرين في صناديق الاستثمار العقاري المتداولة (الريت) والذين ينصب تركيز الأغلبية الكاسحة منهم على مقاييس مثل سعر الوحدة وحجم التوزيعات أثناء سعيهم للمفاضلة بين الصناديق المتاحة في السوق، بينما يغفلون تفاصيل في غاية الخطورة.. باختصار، مَن لا يعرف حجم الديون ودرجة السيولة لدى الصندوق الذي يستثمر فيه لا يعرف حقيقة الصندوق حتى لو ادّعى غير ذلك.

في التقرير التالي – وهو الأخير ضمن سلسلة بدأت قبل أسبوعين – سنستعرض معًا بشكل سريع عددًا من النقاط المهمة التي يجب أن ينتبه إليها كل مستثمر في صناديق الريت يخشى على أمواله.

الديون .. ما لا يسع المستثمر بصناديق الريت جهله

واحد من أهم المقاييس الحاسمة في عملية تقييم صندوق الريت هو حجم الرافعة المالية للصندوق أو نسبة الديون إلى حقوق الملكية في هيكل رأس المال الخاص بالصندوق، ولكن لماذا يلجأ الصندوق من الأساس إلى الاقتراض أو استخدام رافعة مالية؟ في الحقيقة تقدم إدارة الصندوق على تلك الخطوة لسبب بسيط جدًا وهو زيادة حيازاتها النقدية من أجل اقتناص بعض الفرص التي بإمكانها تعزيز عوائد المساهمين، خصوصًا أنها ملزمة بعدم الاحتفاظ بعوائد الصندوق وتوزيع 90% منها على المساهمين.

ولكن كما يعرف أغلب المهتمين بسوق الأسهم تعد الرافعة المالية سلاحًا ذا حدين بمعنى أن لها تأثيرًا مكبرًا في الاتجاهين، فكما بإمكانها تعزيز المكاسب حين تمضي الأمور بالسوق على نحو جيد، يظل بإمكانها أيضًا تضخيم خسائر الصندوق حال تدهور الوضع بالسوق وساءت الأمور، وبغض النظر عن الربحية، يظل الصندوق ملزمًا بسداد الأموال المقترضة في مواعيد محددة بالإضافة إلى الفوائد عليها.

حين تحاول كمستثمر في صندوق ريت معرفة موقف الرافعة المالية للصندوق، فمن فضلك لا تشتت نفسك ولا تشغل بالك سوى بثلاثة أسئلة بسيطة جدًا: الأول هو ما نسبة الديون في رأس مال الصندوق؟ والثاني إلى أي مدى يستطيع الصندوق خدمة هذه الديون بشكل مريح؟ أما الثالث والأخير فهو: ما وضع السيولة لدى الصندوق؟

إذا بدأنا بالسؤال الأول، فبالإمكان معرفة إجابته من خلال النظر إلى البيانات المالية الصادرة عن الصندوق وخصوصًا الميزانية العمومية والتي ستجد فيها كل ما يخص الديون قصيرة وطويلة الأجل، ومن المهم جدًا أن تنتبه إلى أن “تداول” أشارت في معايير الطرح والإدراج الخاصة بصناديق الريت إلى أنه لا يجوز أن يتجاوز اقتراض الصندوق ما نسبته 50% من القيمة الإجمالية لأصوله وذلك بحسب آخر قوائم مالية مدققة.

والمعلومة السابقة الخاصة بسقف الديون الذي تفرضه “تداول” لا يجب أن تمر مرور الكرام، بل يجب أن تعتبرها مقياسًا تمايز بين الصناديق على أساسه من هذه الجهة، بمعنى أن الصندوق الذي تبلغ قيمة رافعته المالية 47% مثلًا لا يترك لنفسه مجالًا للمناورة والاقتراض أكثر إذا لزم الأمر، وذلك على عكس الصندوق الذي لا تزيد رافعته المالية على 20% مثلًا.

أسعار الفائدة … السيرك الكبير!

لمَن لا يعرف، يتم حساب نسبة الرافعة المالية من خلال قسمة إجمالي الديون على إجمالي رأس المال (الديون وحقوق الملكية)، ومن الأشياء المهمة التي يجب أن تنتبه إليها في هذا السياق هي حجم الديون قصيرة الأمد بالمقارنة مع نظيرتها طويلة الأجل، حيث إن قصر مدة استحقاق الديون بشكل عام من شأنه أن يضغط على الصندوق الذي سيجد نفسه مضطرًا لإعادة تمويل ديونه في غضون فترة زمنية قصيرة.

ما سبق يأخذنا إلى نقطة في غاية الخطورة وهي أن الصندوق صاحب الرافعة المالية الكبيرة يترك نفسه عُرضة لمخاطر تقلب أسعار الفائدة، ما لا يدركه البعض هو أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر على صناديق الريت بشكل سلبي من أكثر من جهة؛ حيث إنه من جهة يزيد من تكلفة خدمتها لديونها، ومن جهة أخرى يتسبب في تباطؤ الاقتصاد وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين مما ينعكس سلبًا على العوائد الإيجارية للعقارات، ومن جهة ثالثة يزيد من تكلفة زيادة رأس المال وهو ما قد يعطل مشاريع ربما تكون قيد التطوير.

نأتي الآن للسؤال الثاني والذي يتعلق بمدى قدرة الصندوق على خدمة ديونه، يتم قياس قدرة الصندوق في تلك الناحية من خلال مقياس يسمى نسبة تغطية خدمة الدين (DSCR)، وفي حالة صناديق الريت يتم حساب الـ(DSCR) الخاص بالصندوق وفقًا للمعادلة التالية: (صافي الدخل التشغيلي – احتياطي استبدال) ÷ خدمة الدين.

لا يمكن لمدير صندوق الريت أن يستيقظ من نومه مثلًا ويقرر ببساطة إنجاز عملية بيع أو شراء أحد الأصول العقارية دون أن يكون مستعدًا للدخول في عملية طويلة ومرهقة ومكلفة، فمن ناحية لا يمكن للبائع إيجاد مشترٍ في لمح البصر، ومن ناحية أخرى لن يستطيع المشتري الحصول على قرض لتمويل الصفقة بين عشية وضحاها.

قد تكون الإيردات الإيجارية للمحفظة العقارية الخاصة بالصندوق سلسة إلى حد ما (بفضل العقود طويلة الأجل والمصروفات الثابتة) ولكن شراء العقارات وبيعها فضلًا عن تطويرها من الأساس هي كلها عملية صعبة ومرهقة وتحتاج إلى نطاق زمني كبير وإدارة جيدة للتدفقات النقدية.

وبناءً على ما سبق يحتاج الصندوق إلى إدارة تدفقاته النقدية الخارجة والداخلة بحرفية عالية لضمان توافر السيولة حين يحتاج إليها الصندوق، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل تتم إدارة الصندوق بطريقة تضمن توافر ما يكفي من الكاش عند الحاجة؟

الإجابة عن هذا السؤال تبدأ من البيانات المالية للصندوق والتي توضح آجال استحقاق الديون الواقعة على كاهله. فإذا افترضنا على سبيل المثال أن البيانات تشير إلى أن الصندوق يجب عليه سداد 5 ملايين ريال في العام المقبل، فيجب على الصندوق أن يبدأ في التخطيط مسبقًا في خطة السداد.

كلما زادت قيمة الناتج عن واحد كان ذلك أفضل، ولكن في المعادلة السابقة ربما أكثر ما يلفت النظر هو ما يسمى باحتياطي استبدال، فما هو؟ ولماذا نطرحه من صافي الدخل التشغيلي؟ ببساطة احتياطي الاستبدال يعبر عن قيمة الأموال التي يحتاج الصندوق إلى إنفاقها على ممتلكاته العقارية لكي تبقى في حالة جيدة.

ويتم طرح هذا البند من صافي الدخل التشغيلي لمراعاة حقيقة أنه لا يمكن استخدام دخل الصندوق بالكامل في خدمة الديون، فهناك أموال يجب إنفاقها على صيانة وحفظ العقارات ومن المنطقي أن يتم استبعادها من الحسابات أثناء الحديث عن الدخل المتاح لخدمة الديون، وهناك مَن يذهب إلى أبعد من ذلك ويستبعد كذلك أثناء حساب الـ(DSCR) عمولات التأجير وهي تكاليف حقيقية لا يمكن تجنبها.

السيولة ثم السيولة ثم السيولة!

نأتي الآن للسؤال الأهم على الإطلاق، وهو الخاص بدرجة السيولة لدى الصندوق؛ في سوق العقارات يعلم القاصي والداني أن القاعدة الذهبية هي الموقع ثم الموقع ثم الموقع! في عالم صناديق الريت توجد هناك قاعدة مشابهة يطلق عليها السيولة ثم السيولة ثم السيولة!

السيولة هي نقطة في غاية الأهمية والخطورة؛ فالعقارات التي تشتريها وتبيعها صناديق الريت في السوق هي بحكم طبيعتها أصول غير سائلة، بمعنى أنه يصعب تحويلها إلى نقود بسرعة وسهولة، والحديث هنا بالمناسبة عن العقارات نفسها وليس عن وحدات صندوق الريت، فهناك فارق كبير بين الاثنين، حيث إن الأخيرة يتم تداولها في السوق المالية على عكس الأولى.

من الضروري جدًا أن تنتبه كمستثمر لاستراتيجية الصندوق في السداد، وتحاول معرفة ما إذا كان نهج الصندوق في سداد ديونه هو الدفع النقدي، أم إعادة التمويل من خلال الحصول على قرض جديد؟ وإذا كان ينوي الدفع نقديًا فهل سيفعل ذلك من خلال تصفية بعض الحيازات أم أن لديه بالفعل سيولة كافية في ميزانيته العمومية، وإذا كان سيلجأ إلى إعادة تمويل الدين بقرض آخر، فما شروط القرض الجديد؟

أخطاء تقع فيها بعض صناديق الريت

وفق نفس المنطق السابق، إذا أعلن الصندوق عن سعيه للاستحواذ على أصول جديدة لضمها إلى محفظته العقارية أو حتى تطويرات أخرى جديدة، فقبل أن تبتهج بذلك من الحكمة أن تحاول معرفة كيف سيمول الصندوق عمليات الاستحواذ أو التطوير المزمعة؟ هل سيكون من خلال الحصول على قرض جديد أم من خلال طرح وحدات جديدة للجمهور؟.

امتلاك الصندوق لقدر معقول من السيولة هو أمر مهم جدًا في عملية تقييم الصندوق، ولكن مسألة السيولة تحتاج إلى موازنة دقيقة؛ فالسيولة تعني “كاش” ولكن وجود الكثير من الكاش في ميزانية الصندوق دون استخدام يضر بعوائد الاستثمار، ولذلك يجب أن تدار مسألة السيولة دون إفراط أو تفريط، وهذا شيء يحتاج إلى إدارة واعية تعرف جيدًا السوق العقاري وأسراره.

وبمناسبة الحديث عن الإدارة، من المهم أن نشير بشكل سريع في ختام التقرير إلى بعض الأخطاء التي يقع فيها عدد من إدارات صناديق الريت من وقت لآخر والتي يجب أن تنتبه إليها كمستثمر، ومن هذه الأخطاء: التوسع غير المدروس وتحمل الكثير من الديون في سبيل ذلك، والدخول في قطاعات عقارية جديدة دون امتلاك الخبرة اللازمة للنجاح في هذه القطاعات.

وتمتد القائمة لتشمل تزويد المستثمرين بمعلومات غير موثوقة، والمبالغة في تقدير آفاق النمو المستقبلية للصندوق، والتعهد بتحقيق مستوى غير معقول من الأرباح عند الطرح بغرض جذب أكبر عدد من المساهمين. والقاسم المشترك بين كل السلوكيات السابقة هي أنها تعطي جمهور المساهمين انطباعًا بعدم كفاءة الإدارة أو افتقارها إلى الانضباط اللازم، فضلًا عن عدم اكتراثها بثروة المساهمين طالما دخلت الرسوم إلى جيوبهم.

وفي النهاية، لا يسعنا سوى الإعراب عن بالغ سعادتنا وتقديرنا لتفاعل قراءنا الأعزاء مع الأجزاء الثلاثة لهذه السلسلة. وبما أن لكل شيء نهاية، فقد وصلنا معًا إلى نهاية الرحلة، بضع كلمات وتنتهي هذه المغامرة، شكرًا على مرافقتنا خلالها.

نقلاً عن أرقام

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *