الأحد 9 محرم 1444ﻫ 7-أغسطس-2022م
ADVERTISEMENT

الصناديق السيادية محرك الاقتصاد العالمي

صناديق – وكالات

يواجه الاقتصاد العالمي العديد من التحديات التي أثرت على معدلات نموه، أبرزها جائحة «كورونا»، والأزمة الأوكرانية، ومخاوف التضخم التي تسود العديد من الدول، وفي هذا الصدد برز دور مهم لصناديق الثروة السيادية التي يراها الخبراء والمحللون محركاً جديداً للاقتصاد العالمي، خاصة وأن إجمالي عدد الصناديق السيادية في العالم 130 صندوقاً تدير أصولاً بقيمة 9.65 تريليونات دولار وتستأثر دول الخليج بـ 31 % منها.

على مدى العقود السبعة الماضية، وتحديداً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، اضطلع «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» بالدور الجوهري في صياغة وتحريك النظام الاقتصادي العالمي، وبناء التركيبة المُتعارف عليها حالياً للمعاملات المالية الدولية.

وما زال الكيانان الدوليان، واللذان يُشار إليهما معاً باسم «نظام بريتون وودز»، كونهما خرجا إلى الوجود بموجب اتفاقية «بريتون وودز» الشهيرة التي أبرمت عام 1944، هما الجهتان الأكثر تأثيراً في تحديد قواعد الاقتصاد الدولي وتشكيل المشهد المالي العالمي، إلا أنهما لم يعودا وحدهما هما المُخولان بأداء هذه المهمة، بل وإنما ظهرت لهما خلال السنوات القليلة الماضية جهة مُكملة لدورهما تساعدهما في الاضطلاع بهذا الدور، ألا وهي صناديق الثروة السيادية، بل ويُجادل البعض أن هذه الصناديق ربما تمثل مُنافساً لــ «نظام بريتون وودز» وستحل محله يوماً ما.

خارطة مستقبلية

نرصد فيما يلي مكانة صناديق الثروة السيادية على خارطة الاقتصاد العالمي الراهن، ونستشرف دورها في الخارطة المستقبلية، وهل مُكملة ومساعدة لمؤسستي «بريتون وودز» أم بديلة مستقبلية لها؟

عدد صناديق الثروة السيادية وأصولها:

يتجاوز عدد صناديق الثروة السيادية حالياً 130 صندوقاً، وتتجاوز القيمة الإجمالية للأصول التي تحت سيادتها 9.65 تريليونات دولار. ويتركز أكثر من نصف عدد هذه الصناديق في منطقتين، هما الخليج العربي، والصين شاملة هونغ كونغ. وتستأثر المنطقة الأولى بنسبة 31% من إجمالي صناديق الثروة السيادية حول العالم، فيما تستأثر الثانية بنسبة 24%.

أهداف

تضطلع صناديق الثروة السيادية بمهمة تحقيق أهداف متنوعة ضمن الاقتصاد الكلي لحكوماتها. وتتراوح هذه الأهداف بين تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ومن ثمّ الاستقرار الاجتماعي والسياسي، داخل الدولة التي تتبعها، كما هو الحال في «صندوق الاستقرار في تركمنستان» و«صندوق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في تشيلي»، تحقيق التنمية الاقتصادية، مثل «صندوق إعادة تعمير وتنمية أوزبكستان»، إدارة أسواق صرف العملات الأجنبية، مثل «مؤسسة الاستثمار الصينية»، وتحقيق وفورات هائلة من الثروات للأجيال المستقبلية، مثل صندوق «إن إس دبليو جينيريشنز» الأسترالي و«صندوق التقاعد الحكومي النرويجي».

تأسست غالبية صناديق الثروة السيادية، خاصة التي تمتلك أصولاً ضخمة، كصناديق تستفيد من الفوائض المالية الهائلة التي تتمتع بها الدول الثرية، كما هو الحال في الصين، النرويج، دول الخليج العربي. ولكن على الرغم من ذلك، يُمكن الإشارة إلى «مؤسسة الاستثمار الصينية» وشركة «تماسيك القابضة المحدودة» في سنغافورة كصندوقين من أكبر صناديق الثروة السيادية على مستوى العالم ولا تعتمدان في تأسيسهما على الإيرادات المُتولَدة من تصدير النفط، الغاز، المعادن أو غيرها من الموارد الطبيعية الأخرى.

دور مهم

ومنذ منتصف العقد الأول من القرن الجديد، اضطلعت صناديق الثروة السيادية بدور متزايد الأهمية في تمويل حركة التنمية وتحقيق الاستقرار المالي على مستوى العالم، وهو دور ظل على مدى عقود مُحتكراً من جانب مؤسستي «بريتون وودز».

وبحسب بيانات صادرة عن «معهد صناديق الثروة السيادية» في الولايات المتحدة، فقد شاركت صناديق الثروة السيادية على مستوى العالم منذ عام 2011 في صفقات تتعلق بقطاع البنى التحتية في دول أخرى بخلاف الدول المالكة لها.

وأضاف المعهد أن القيمة الإجمالية لهذه الصفقات تجاوزت 500 مليار دولار، وأن 70% منها جرى في اقتصادات مُتقدمة. وفي نفس السياق، أشار المعهد إلى الاستثمارات التي خصصتها صناديق الثروة السيادية الصينية خلال السنوات الأخيرة للمساهمة في مشروعات انشائية متنوعة في عدة بلدان نامية، وذكر أن هذه الاستثمارات تعكس أهمية الدور الذي باتت تضطلع به صناديق الثروة السيادية في تمويل المشروعات التنموية على مستوى العالم.

فعلى سبيل المثال، تُقدّر الاستثمارات الصينية في تمويل المشروعات الإنشائية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في افريقيا خلال الفترة بين عامي 2018 و2020 بنحو 54 مليار دولار، أي ما يزيد بقيمة 20 مليار دولار عن قيمة المبالغ الإجمالية المُخصصة من جانب «البنك الدولي» للمنطقة نفسها خلال الفترة نفسها.

كما تُقدّر القيمة الإجمالية لاستثمارات الصين في المشروعات الإنشائية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقد المُمتد بين عامي 2011 و2021 بنحو 211 مليار دولار، 83 مليار دولار منها خُصصت لتمويل مشروعات الطاقة، النقل ومشروعات عقارية بالمنطقة.

وينطبق الأمر نفسه إلى حد بعيد على صناديق الثروة السيادية التابعة لدول الخليج العربي، والتي استثمرت خلال السنوات الأخيرة على نحو مُكثف في مشروعات بنية تحتية ومشروعات عقارية في اقتصادات متقدمة ونامية على السواء. ولعل أحد أبرز الأمثلة ضمن ما يزيد على 100 مثال هو الاستثمار الذي رصده جهاز أبوظبي للاستثمار «اديا» لشركة «جي في كيه ايربورت ديفلوبرز ليمتد» الهندية في نوفمبر 2019.

الأزمة المالية

وتُعد الأزمة المالية العالمية التي امتدت بين عامي 2007 و2009 بمثابة نقطة تحول جوهرية في دور وتأثير صناديق الثروة السيادية الخليجية والصينية، حيث كانت بداية إظهار هذه الصناديق لدورها وأهميتها المتنامية في الهيكل المالي الدولي واستعراض نفوذها كجهات تمتلك أموالاً سائلة وفيرة.

فعلى سبيل المثال، في عام 2007 وفي بداية الأزمة المالية، ضخت صناديق الثروة السيادية الصينية حوالي 27 مليار دولار في المؤسسات المالية الأمريكية التي كانت تُعاني تعثراً آنذاك من جراء الأزمة. وباتت هذه الصناديق تستأثر بما يزيد عن ثلثي استثمارات صناديق الثروة السيادية الخارجية في المؤسسات المالية الأمريكية آنذاك.

صناديق التقاعد

وقد شهد العقدان الأخيران ظهوراً قوياً لصناديق التقاعد كجهات استثمار أساسية. وتجاوزت القيمة الإجمالية للأصول المملوكة لصناديق التقاعد على مستوى العالم 56 تريليون دولار، أي نحو ضعف قيمتها في عام 2020. وتتصدر الولايات المتحدة بأصول تقاعدية تبلغ قيمتها 35.5 تريليون دولار، أي ما يزيد عن 63% من إجمالي الأصول التقاعدية العالمية.

بديل مستقبلي

ويُبرز الصعود المتزايد لصناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد والأدوار المتنامية الأهمية التي باتت تضطلع بها في تحريك اقتصاد العالم خلال السنوات الأخيرة، مكانتها التي تكتسبها وإن كان على نحو بطئ، وإن كان مُطرداً كبديل ضمن مجموعة بدائل متعددة لمؤسستي «بريتون وودز».

وتتضمن مجموعة البدائل المتعددة هذه، إلى جانب صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد: البنوك التنموية الإقليمية متعددة الأطراف، المؤسسات المالية وبرامج التمويل التنموي متعددة الأطراف التي تتبناها وتديرها الدول، مثل «مبادرة الحزام والطريق» التي تتبناها الحكومة الصينية و«إعادة بناء عالم أفضل» التي أطلقتها «مجموعة السبع» بقيادة الولايات المتحدة. ومن اللافت أن هذه البدائل بدأت تقتحم وبقوة عدة مجالات كانت تُعد حتى وقتٍ قريب اختصاصات تقليدية لمؤسستي «بريتون وودز»، ومن أبرزها تمويل حكومات الدول النامية.

وأدى هذا الصعود في التراجع التدريجي لأهمية وأدوار مؤسستي «بريتون وودز» في اقتصاد عالمي يتطور على نحو متواصل جالباً معه مشهداً مالياً جديداً.

لم تعد التعددية الاقتصادية والمالية الآخذة في الصعود في مطلع القرون الــ 21 مقتصرة على الدول فحسب، بل وإنما تمتد على نحو تدريجي لتشمل الكيانات شبه الحكومية كصناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد، والجهات الأخرى غير التابعة لدول، كالمؤسسات والشركات متعددة الجنسيات.

وباتت هذه الكيانات تلوح في الأفق كبديل مُنتظر في المستقبل القريب لمؤسستي «بريتون وودز». فإذا كانت المؤسستان ترغبان بعد الاختفاء من المشهد الاقتصادي العالمي في المستقبل القريب لصالح الكيانات شبه الحكومية، فيتعين عليهما الرضاء بالتكامل بين الطرفين.

وعليه، من المفترض على «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» التنسيق مع صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد لضمان أن يجد الجميع مكاناً له على الخارطة الاقتصادية العالمية المستقبلية، بدلاً من أن يُصبح أحد الطرفين بديلاً للآخر.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.